حين صار الكتاب أقرب
لم تبدأ فكرتي بعربة كتب. بدأت بسؤال ظل يرافقني: كيف أجعل الكتاب حاضرًا في يوم الطالب، بدل أن ينتظر زيارة إلى المكتبة؟
أحب القراءة منذ طفولتي، وكنت أظن أن حماسي لها يكفي لأقنع غيري بها. لكنني رأيت طلابًا يمرون بجوار الكتب دون أن يتوقفوا. لم أرد أن أطلب منهم قراءة المزيد فحسب؛ أردت أن أفهم ما الذي يجعل طفلًا يفتح كتابًا باختياره.
قدمت فكرتي إلى أوان: مكتبة صغيرة تتحرك بين المساحات المدرسية، تحمل كتبًا متنوعة، وتترك للطلاب حرية الاقتراب والاختيار. بعد مراجعة الخطة، نُشرت التجربة للمساهمة. تابعت تقدمها، وحين اكتمل تمويلها بمساهمة تسعة داعمين، شعرت بفرح كبير ومسؤولية أكبر. أصبحت الفكرة التي أحملها في رأسي شيئًا ينتظر التنفيذ.
«لم تكن اللحظة الأهم صورة العربة بعد اكتمالها؛ كانت لحظة اختيار طالب لكتاب والجلوس معه من تلقاء نفسه.»
اخترت الكتب وجهزت العربة، ثم بدأت لقاءات القراءة. في البداية، توقعت أن ينجذب الطلاب إلى العناوين التي أحببتها أنا. اكتشفت سريعًا أن لكل واحد منهم مدخلًا مختلفًا: صورة، أو موضوع يعرفه، أو سؤال يريد أن يجد له جوابًا. تعلمت أن أبدأ بالاستماع. كنت أترك لهم وقتًا لتصفح الكتب، وأرحب بمن يقرأ صفحة واحدة مثلما أرحب بمن يكمل قصة.
لم تسر كل اللقاءات كما خططت. أحيانًا كنت أشرح أكثر مما ينبغي، وأحيانًا أختار كتابًا لا يثير اهتمام أحد. صرت أدوّن ما يلفت الطلاب وما يتركونه، وأغير ترتيب الكتب وطريقة تقديمها في اللقاء التالي. شيئًا فشيئًا، أصبحت العربة مكانًا يتوقفون عنده ويسألون عمّا وصل إليها من جديد.
وثقت مراحل التجهيز واللقاءات وما تعلمته منها، مع مراعاة موافقات التصوير وخصوصية الطلاب. وعندما راجعت الصور والمقاطع، لم تكن أكثر لحظة أثرت فيّ صورة العربة بعد اكتمالها؛ كانت لحظة اختيار طالب لكتاب والجلوس معه من تلقاء نفسه.
خرجت من التجربة بمكتبة متنقلة، لكن ما بقي معي أعمق من ذلك. تعلمت أن محبة القراءة لا تنتقل بالأوامر، وأن دوري أحيانًا هو تقريب الكتاب، ثم ترك مساحة كافية لتبدأ علاقة الطالب به. هذه الفكرة هي ما أود أن أحمله إلى لقاءات القراءة القادمة، وأن أشاركها مع كل معلم يبحث عن بداية صغيرة لتجربته.







